لم يعد يقتصر دور شركات الاتصالات الكبرى في المملكة العربية السعودية على بيع شرائح الهاتف المحمول أو توفير باقات الإنترنت والاتصال الصوتي.
فقد شهدنا خلال السنوات القليلة الماضية قصة نجاح استثنائية تتمثل في تحول استراتيجي جذري؛ حيث خلعت هذه الشركات عباءة “مشغل الاتصالات التقليدي” لترتدي حلة “الشركات التقنية الشاملة” (Techcos).
هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في الهوية البصرية، بل هو إعادة هندسة كاملة لنموذج العمل التجاري، قاد كبرى الشركات مثل مجموعة (stc) و(موبايلي) و(زين) لاختراق مجالات جديدة ومعقدة كالتقنية المالية (Fintech)، الأمن السيبراني، إنترنت الأشياء (IoT)، والحوسبة السحابية، لتصبح اليوم المحرك الأساسي للاقتصاد الرقمي في المنطقة.
السياق التاريخي: من احتكار المكالمات إلى تحديات عصر التطبيقات تاريخياً، اعتمدت إيرادات قطاع الاتصالات بشكل شبه كلي على المكالمات الصوتية والرسائل النصية.
ومع ظهور تطبيقات المراسلة الفورية والاتصال عبر الإنترنت (OTTs) مثل “واتساب” وتطبيقات التواصل الاجتماعي، واجه المشغلون تهديداً حقيقياً بتآكل إيراداتهم التقليدية.
أدركت القيادات التنفيذية لهذه الشركات أن البقاء يعتمد على الابتكار والتنويع. تزامناً مع انطلاق “رؤية السعودية 2030” في عام 2016، التقطت شركات الاتصالات زمام المبادرة، وبدأت في ضخ استثمارات رأسمالية ضخمة في البنية التحتية للألياف الضوئية وشبكات الجيل الخامس (5G)، لتبدأ مرحلة تأسيس أذرع استثمارية وشركات تابعة متخصصة في الحلول الرقمية، مما مهد الطريق للتحول من مجرد “ناقل للبيانات” إلى “صانع وممكن للقيمة الرقمية”.
التحليل الاقتصادي: تمكين التحول الرقمي ودعم مستهدفات “رؤية 2030” اقتصادياً، يمثل هذا التحول الاستراتيجي ركيزة أساسية لتحقيق مستهدفات “رؤية السعودية 2030”.
فمن خلال إنشاء منصات التقنية المالية (مثل stc pay وغيرها)، ساهمت هذه الشركات بشكل مباشر في تسريع الشمول المالي وتقليل الاعتماد على النقد.
كما أن استثماراتها المليارية في مراكز البيانات (Data Centers) والكابلات البحرية حولت المملكة إلى مركز إقليمي (Hub) للخدمات السحابية، مما يجذب شركات التقنية العالمية (Hyperscalers) مثل “جوجل” و”مايكروسوفت” و”علي بابا” للاستثمار في السوق السعودي.
هذا التنوع في مصادر الدخل لا يحمي هذه الكيانات من تقلبات سوق الاتصالات فحسب، بل يضاعف مساهمة قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات في الناتج المحلي غير النفطي، ويوفر آلاف الوظائف النوعية للكوادر الوطنية الشابة.

