شهدت وتيرة ترسيات المشاريع في دولة قطر تراجعاً ملحوظاً خلال الربع الثالث من عام 2026، حيث انخفضت القيمة الإجمالية للعقود الممنوحة بنسبة 61.6% على أساس سنوي لتسجل نحو 19 مليار ريال قطري، مقارنة بـ 49.5 مليار ريال خلال الفترة المقابلة من عام 2025، وذلك وفقاً للبيانات الصادرة عن مجلة «ميد» المتخصصة في تتبع المشاريع الإقليمية.
وفي المقابل، أظهر الأداء الفصلي تعافياً نسبياً، إذ قفزت قيمة العقود بنسبة 76% مقارنة بمستويات الربع الثاني من العام الحالي، ما يعكس تذبذباً مرحلياً في دورات طرح المشاريع الكبرى واعتمادها على توقيتات الترسية الاستراتيجية.
السياق التاريخي: مسار الإنفاق الإنشائي بين طفرة البنية التحتية وتوسعات الغاز
تاريخياً، مر قطاع المشاريع في قطر بدورة إنفاق رأسمالي ضخمة امتدت لأكثر من عقد، تركزت بشكل مكثف على مشاريع البنية التحتية، شبكات النقل، والملاعب استعداداً لاستضافة الفعاليات العالمية الكبرى.
ومع اكتمال تلك المشروعات الأساسية، انتقل الثقل الاستثماري بصورة شبه كاملة نحو مشاريع الطاقة العملاقة، وتحديداً توسعة حقل الشمال للغاز الطبيعي المسال.
وتبعاً لهذا التحول الهيكلي، أصبحت أرقام الترسيات الفصلية تتأثر بشكل مباشر بحجم حزم عقود الطاقة المطروحة وتوقيتاتها، بدلاً من التوزيع الأفقي على قطاعات البناء والتشييد التقليدية.
كما ألقت التوترات الجيوسياسية واضطرابات الملاحة وسلاسل الشحن بظلالها على سرعة اتخاذ القرارات الاستثمارية، مما دفع أصحاب المشاريع لمراجعة الجداول الزمنية لتفادي تضخم التكاليف.
التحليل الاقتصادي: الانعكاسات على السوق ومستهدفات «رؤية قطر الوطنية 2030»
يكشف التوزيع القطاعي لترسيات الربع الثالث عن تركيز واضح لرأس المال، حيث استحوذ قطاع النفط والغاز على نصيب الأسد بقيمة بلغت 18.2 مليار ريال من أصل 19 مليار ريال، في حين جاء قطاع الإنشاءات ثانياً بنحو 500 مليون ريال فقط. وفي المقابل، سجل قطاع المياه قفزة سنوية قياسية بنسبة 220% لتصل قيمة عقوده إلى 117 مليون ريال مقارنة بـ 37 مليون ريال للعام السابق. يتلاقى هذا المشهد مع مستهدفات «رؤية قطر الوطنية 2030» والتحولات الاقتصادية الخليجية المشابهة، مثل «رؤية السعودية 2030» و«رؤية عُمان 2040»، من خلال:
- أولويات الأمن المائي وكفاءة المرافق: يعكس نمو ترسيات قطاع المياه التركيز الحكومي على الاستدامة البيئية وتعزيز مرونة البنية التحتية الحيوية لمواجهة تقلبات المناخ والنمو السكاني.
- التحوط ضد التضخم الهندسي: يعبر التباطؤ في قطاع البناء عن سياسة ترشيد حذرة تستهدف تفادي ضغوط سلاسل الإمداد ومخاطر ارتفاع تكاليف الشحن والمواد الخام الناجمة عن التوترات الإقليمية.
- تكريس الريادة في تصدير الغاز المسال: توجيه أكثر من 95% من السيولة نحو مشروعات الطاقة يؤكد أن الأولوية المطلقة للاقتصاد تظل موجهة لتعزيز الطاقات التصديرية للغاز كقاطرة أولى للنمو المالي والسيادي.

