سجل مؤشر الأسهم السعودية الرئيسي “تاسي” اختراقاً مهماً لمستوى 11 ألف نقطة خلال تعاملات الجلسة، محققاً مكاسب بلغت 2.1%، وهو ما يمثل أفضل أداء يومي له منذ 23 أسبوعاً. وقد ترافقت هذه القفزة مع انتعاش ملحوظ في قيم التداول التي ارتفعت بنسبة 8% لتصل إلى 5.6 مليار ريال، بدعم مباشر من قطاعي الطاقة والبتروكيماويات، وعلى رأسها سهم شركة “أرامكو” السعودية الذي قاد مسيرة المكاسب.
استقرار وسط العواصف: الموقف المحايد والمرونة اللوجستية
يأتي هذا الأداء الإيجابي والمفاجئ للبعض في ظل تصاعد النزاعات العسكرية في المنطقة وإغلاق مضيق هرمز. ويعود الفضل في ذلك إلى الموقف الإستراتيجي المحايد للمملكة العربية السعودية، والقدرات الدفاعية التي حصنت الاقتصاد المحلي وجعلته يعمل بوتيرة طبيعية تماماً. الأهم من ذلك، أثبتت المملكة تمتعها بـ “مرونة لوجستية” استثنائية؛ حيث أدى توفر الموانئ الضخمة على ساحل البحر الأحمر وشبكة النقل البري المتطورة إلى الحد بشكل كبير من الآثار السلبية لتعطل النقل البحري في الخليج العربي.
السياق التاريخي: أرامكو وخط “شرق-غرب” كصمام أمان
تاريخياً، أدركت السعودية خطورة الاعتماد الكلي على مضيق هرمز، فاستثمرت بكثافة في البنية التحتية البديلة. واليوم، تقطف السوق المالي ثمار هذه الرؤية عبر خط أنابيب “شرق-غرب” الذي يُمكّن “أرامكو” من ضخ 7 ملايين برميل يومياً إلى الساحل الغربي الآمن. هذا التفوق اللوجستي، تزامناً مع قفزة أسعار خام برنت بنسبة 28% (أعلى وتيرة أسبوعية منذ 6 سنوات)، دفع سهم أرامكو للارتفاع بنسبة 4.1% خلال الجلسة، مسجلاً أعلى مستوى له في عام عند 26.94 ريال. وفي ذات السياق، سجلت أسهم شركات البتروكيماويات (كيمانول، اللجين، كيان السعودية، ينساب، وبترو رابغ) قفزات بالحد الأقصى، مستفيدة من ارتباك المصانع الأوروبية والآسيوية نتيجة تعثر إمدادات الغاز.
التحليل الاقتصادي: “تاسي” في مرآة رؤية السعودية 2030
اقتصادياً، هذا الصعود يبرز متانة الاقتصاد السعودي وقدرته على استيعاب الصدمات الخارجية، وهو أحد أهم مستهدفات رؤية السعودية 2030. ومع ذلك، يواجه السوق تحدياً داخلياً يتمثل في نتائج أعمال الشركات؛ فحتى الآن أعلنت 106 شركات عن أرباحها للربع الرابع والتي بلغت 17.4 مليار ريال، متراجعة بنسبة 59% على أساس سنوي. استمرار هذا التراجع في الربحية يُبقي مكرر ربحية السوق (P/E) عند مستوى مرتفع يبلغ 20 مرة (باستثناء أرامكو)، مما يتطلب نمواً حقيقياً في الأرباح التشغيلية لتبرير التقييمات الحالية وجذب سيولة استثمارية مستدامة.
التوقعات المستقبلية: هل يستمر المسار الصاعد؟
خلال الشهور القادمة، ستظل تحركات “تاسي” مرهونة بعاملين: الأول هو المدى الزمني للأزمة الإقليمية؛ فكلما طال أمد تعطل الإمدادات العالمية مع احتفاظ المصانع السعودية بقدرتها الإنتاجية والتصديرية، زادت الجاذبية لأسهم البتروكيماويات. أما العامل الثاني فهو المشهد الكلي لأسعار الفائدة؛ فمع انحسار آمال الخفض القريب للفائدة عالمياً، سيجد السوق صعوبة في الحفاظ على مسار تصاعدي قوي ما لم تظهر الشركات نتائج مالية تتجاوز التوقعات وتدعم جاذبية العوائد مقارنة بالبدائل الاستثمارية الخالية من المخاطر.

