في خطوة استراتيجية متسارعة نحو بناء اقتصاد مستدام غير معتمد على النفط، تقود دولة الإمارات العربية المتحدة تحولاً جذرياً من خلال التركيز على “توطين الصناعات التقنية المتطورة”.
وبحسب تقرير حديث لمركز “إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية” في أبوظبي، فإن هذا التوجه لا يهدف فقط إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي، بل يسعى لخلق منظومة اقتصادية متكاملة ترفع من نسبة مساهمة القطاع الصناعي، وتعزز من الصادرات غير النفطية، وتخلق وظائف عالية الأجر تجذب أفضل العقول والمواهب.
تحالفات مليارية وقطاعات استراتيجية
تتحرك الإمارات بخطوات عملية على الأرض، وهو ما تجلى في الشراكات العالمية الضخمة مؤخراً؛ مثل شراكة “إم جي إكس” مع “بلاك روك” و”مايكروسوفت” للاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، والتعاون الوثيق بين “جي 42” و”إنفيديا”، إضافة إلى استثمار “مايكروسوفت” البالغ 1.5 مليار دولار في “جي 42”.
هذا الزخم يترافق مع توطين صناعات دقيقة وحيوية تشمل: أشباه الموصلات، الطائرات بدون طيار، تقنيات الفضاء، التكنولوجيا الحيوية، والطباعة ثلاثية الأبعاد، إلى جانب التركيز المكثف على تكنولوجيا الطاقة المتجددة مثل الألواح الشمسية والهيدروجين الأخضر.
السياق التاريخي: من استيراد التكنولوجيا إلى تصديرها
تاريخياً، اعتمدت دول المنطقة بشكل شبه كامل على استيراد التكنولوجيا المتقدمة. ومع ذلك، أدركت الإمارات مبكراً أن الاستقلال الاقتصادي الحقيقي يتطلب امتلاك “أدوات الإنتاج المعرفي”.
لذا، بدأت الدولة بتهيئة بنيتها التحتية وتشريعاتها منذ سنوات، لتدخل اليوم مرحلة قطف الثمار، متحولة من مجرد مستهلك للتقنية إلى منتج وشريك عالمي في تطويرها، مدعومة بمناخ استثماري مرن يسهل ممارسة الأعمال ويحتضن الشركات الناشئة الابتكارية.
التحليل الاقتصادي: محرك رئيسي لرؤية الإمارات 2071
يرتبط هذا التوجه بشكل عضوي ومباشر مع “رؤية الإمارات 2071″ و”مشروع 300 مليار” ومبادرة “اصنع في الإمارات”.
اقتصادياً، فإن توطين صناعات حيوية مثل أشباه الموصلات والأدوية يحمي سلاسل الإمداد الوطنية من الصدمات الجيوسياسية العالمية.
علاوة على ذلك، فإن توجيه المشتريات الحكومية لمنح الأولوية للمنتجات الوطنية يخلق طلباً محلياً ضخماً، يضمن للشركات الصناعية عوائد مجزية تشجعها على ضخ المزيد من الاستثمارات (CAPEX) في البحث والتطوير (R&D) داخل الدولة.
التوقعات المستقبلية: كيف سيؤثر ذلك على بيئة الأعمال في الشهور القادمة؟
في المدى المنظور، من المتوقع أن نشهد تدفقاً استثنائياً للاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) نحو القطاعات التقنية والصناعية في الإمارات. سيوفر هذا التوطين أرضاً خصبة لرواد الأعمال لتأسيس شركات تقنية مساندة (B2B) تخدم المصانع الكبرى.
كما ستتزايد وتيرة توظيف الكفاءات الإماراتية والمقيمة في مجالات هندسة البيانات والروبوتات، مما سيخلق طبقة جديدة من المستهلكين ذوي الدخل المرتفع، وهو ما سينعكس إيجاباً على قطاعات أخرى كالعقارات والتجزئة والخدمات اللوجستية، ليرسخ مكانة الإمارات كـ “وادي سيليكون” الشرق الأوسط.

