سجلت السوق العقارية في المملكة العربية السعودية مساراً تصاعدياً لافتاً في وتيرة النشاط والسيولة خلال عام 2026، مستعيدة زخمها تدريجياً بعد موجة ترقب وتنظيم شهدتها السوق في الفترات السابقة.
ووفقاً لبيانات منصة المؤشرات العقارية التابعة للهيئة العامة للعقار، والمستندة إلى بيانات وزارة العدل والسجل العقاري، تجاوزت قيمة صفقات البيع المنفذة خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري حاجز 235.2 مليار ريال (ما يعادل نحو 62.7 مليار دولار)، مسجلة ما يقارب 194.9 ألف صفقة بيع على مستوى مختلف مناطق المملكة.
سياق تاريخي: من مرحلة الترقب التنظيمي إلى امتصاص الصدمات
يعكس الأداء الفصلي للعام الحالي قدرة فائقة للمنظومة العقارية على امتصاص المتغيرات الهيكلية؛ حيث افتتحت السوق الربع الأول من عام 2026 بهبوط حاد تجاوز 53% على أساس سنوي لتسجل 71.9 مليار ريال في ظل تريث المتعاملين وانتظار استقرار الأطر التشريعية الجديدة.
وسرعان ما تبدلت ملامح المشهد بالانتقال إلى الربع الثاني الذي ارتفعت فيه التداولات إلى 75.6 مليار ريال، وصولاً إلى ذروة النشاط في الربع الثالث الذي قفزت فيه القيمة إلى 87.7 مليار ريال عبر نحو 71.2 ألف عملية، ليكون الربع الأقوى منذ مطلع العام، ما أسهم في تقليص فجوة التراجع السنوي إلى 18.4% فقط مقارنة بعام 2025.
تاريخياً، تتكرر هذه الدورة التكيفية لدى تطبيق لوائح جديدة؛ إذ يتجه المستثمرون إلى التحفظ المؤقت قبل أن تعود السيولة للتدفق فور وضوح المعالم الاستثمارية.
التحليل الاقتصادي وأثره على «رؤية السعودية 2030»
يرتبط هذا التعافي المتدرج بمجموعة من العوامل الجوهرية التي تعزز مستهدفات “رؤية السعودية 2030″، وعلى رأسها:
- نفاذ تنظيمات تملك غير السعوديين: دخول نظام تملك الأجانب للعقار حيز النفاذ فتح الباب لسيولة دولية نوعية تبحث عن أصول مستقرة ومدرة للعوائد.
- تنويع الاقتصاد غير النفطي: يعد القطاع العقاري أحد ركائز رفع مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب دوره في رفع نسبة تملك المواطنين للمساكن بالشراكة مع برامج الإسكان و«الشركة الوطنية للإسكان».
- الملاذ الاستثماري الآمن: في ظل التوترات والتقلبات الجيوسياسية الإقليمية، أظهرت البيئة الاستثمارية في المملكة متانة تشريعية وسياسية عززت من جاذبية الأصول العقارية بوصفها وعاءً آمناً للتحوط وحفظ الثروات.
- ترشيد القوة الشرائية: يشير انخفاض متوسط قيمة الصفقة إلى 1.21 مليون ريال مقارنة بـ 1.59 مليون ريال في 2025 إلى اتجاه شرائح المشترين نحو الوحدات الواقعية والملائمة للقدرة التمويلية، متجاوزين فقاعات التسعير غير المبررة.

