في الوقت الذي تواصل فيه أسواق الطاقة العالمية تقلباتها المستمرة، وتتزايد الضغوط البيئية والجيوسياسية على سلاسل الإمداد التقليدية، تخطو سلطنة عُمان بخطى واثقة وثابتة نحو صياغة مستقبلها الاقتصادي بعيداً—أو بالأحرى موازياً—لعباءة النفط والغاز. ولم يعد الحديث عن “التنويع الاقتصادي” في مسقط مجرد شعارات إنشائية، بل تحول إلى استراتيجيات رأسمالية ضخمة تتصدرها مشاريع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر.
ومع تسجيل الاقتصاد العُماني نمواً حقيقياً بنسبة 5.1% بدعم رئيسي من القطاع النفطي، تبرز التساؤلات الإستراتيجية: كيف تضمن عُمان استدامة هذا النمو؟ وما هي قصة التحول نحو الهيدروجين الأخضر لتصبح السلطنة محطة عالمية للطاقة النظيفة؟
عُمان على خريطة الطاقة العالمية الجديدة: مزايا تنافسية فريدة
لا تستثمر سلطنة عُمان في قطاع الهيدروجين الأخضر من فراغ، بل تستند إلى منظومة من المزايا الجغرافية والطبيعية التي تجعلها واحدة من أكثر وجهات الاستثمار جاذبية عالمياً في هذا القطاع الناشئ:
- وفرة مصادر الطبيعة: تتمتع السلطنة بمستويات ساطعة ومتواصلة من ضوء الشمس، إلى جانب سرعات رياح عالية وثابتة في مناطق واسعة مثل الدقم ومحافظة الوسطى، وهي الركائز الأساسية لتوليد الطاقة الكهربائية النظيفة بتكاليف تنافسية.
- البنية التحتية والموانئ الاستراتيجية: تملك عُمان موانئ عميقة ومجهزة عالمياً (مثل ميناء الدقم وميناء صلالة) وقريبة من خطوط الملاحة الدولية، مما يسهل عمليات تخزين وتصدير الهيدروجين ومشتقاته (مثل الأمونيا الخضراء) إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية المتعطشة للطاقة النظيفة.
- الخبرة الطاقية المتراكمة: يمتلك القطاع الطاقي العُماني عقوداً من الخبرة في إدارة وتطوير مشاريع الهيدروكربونات الكبرى، وهو ما يوفر بيئة تنظيمية وبشرية قادرة على استيعاب وإدارة مشاريع الطاقة المعقدة بكفاءة عالية.
مليارات الدولارات وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة (FDI)
تتحول الرؤية العمانية تدريجياً إلى واقع استثماري ملموس؛ فقد نجحت السلطنة عبر “شركة هيدروجين عمان” (حيدركو) في توقيع سلسلة من الاتفاقيات ومقاسم الامتياز المليارية مع كبرى الائتلافات العالمية والشركات الطاقية الدولية من أوروبا، آسيا، والولايات المتحدة.
وتستهدف هذه المشروعات ضخ استثمارات أجنبية مباشرة تُقدر بعشرات مليارات الدولارات على مدار العقود القادمة، مما يحقق أهدافاً اقتصادية متعددة:
- استقطاب رؤوس الأموال التقنية: لا يقتصر الاستثمار على الأموال فحسب، بل ينقل التكنولوجيا المتقدمة في مجالات التحليل الكهربائي واحتجاز الكربون وتوليد الطاقة المتجددة إلى السوق المحلي.
- تنويع مصادر الدخل القومي: بناء قطاع تصديري جديد بالكامل يعوض تدريجياً أي تراجع محتمل في عوائد النفط التقليدية على المدى الطويل.
- خلق فرص عمل نوعية: توطين صناعات الطاقة النظيفة وتأهيل الكوادر العمانية الشابة لشغل الوظائف المتقدمة في الهندسة التقنية وإدارة منشآت الهيدروجين.
نحو مستقبل طاقي مستدام
إن الرهان العُماني على الهيدروجين الأخضر ليس مجرد استجابة لتوجهات الحياد الصفراوي المناخي العالمي، بل هو إعادة هندسة شاملة لشخصية الاقتصاد الوطني. ومن خلال دمج هذه الاستثمارات الكبرى مع خطط تطوير الموانئ والمناطق الاقتصادية الحرة، تؤكد مسقط أنها لا تريد فقط الحفاظ على مكانتها التاريخية كمركز موثوق لإمدادات الطاقة، بل تسعى لأن تكون “عاصمة الهيدروجين الأخضر” في الشرق الأوسط والعالم، معلنةً بوضوح أن مستقبلها الاقتصادي سيكون نظيفاً، مستداماً، وأكثر مرونة في وجه صدمات المستقبل.

