تقترب الفرق الفنية والهندسية في كلٍّ من المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية من بدء مرحلة التشغيل التجريبي لأضخم مشروع بنية تحتية للطاقة في المنطقة؛ وهو مشروع الربط الكهربائي السعودي المصري المشترك، الذي تبلغ قدرته التبادلية الإجمالية 3000 ميجاواط (3 جيجاواط) بتكلفة استثمارية تقارب 1.8 مليار دولار.
ويهدف هذا المشروع الاستراتيجي، الممتد عبر مسار بري وبحري يربط محطات التحويل بين مدينة تبوك السعودية ومدينة بدر المصرية عبر كابلات بحرية تمر بخليج العقبة، إلى خلق تكامل تشغيلي بين شبكتي الطاقة الأكبر حجماً في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مما يمهد لتدشين سوق عربية مشتركة لتجارة الكهرباء وتبادل القدرات التوليدية الاحتياطية.
السياق التاريخي: عقود من التخطيط والتغلب على التحديات الهندسية
تعود الجذور الأولى لمشروع الربط الكهربائي بين الرياض والقاهرة إلى مذكرات التفاهم الأولية الموقعة في عام 2012، في إطار تطلعات الربط الكهربائي العربي الشامل.
وعلى مدار أكثر من عقد من الزمان، واجه المشروع تحديات فنية وجيولوجية معقدة نظراً لطبيعة تضاريس قاع البحر في خليج العقبة وضرورة مد كابلات بحرية متطورة بتقنية التيار المستمر عالي الجهد (HVDC) على أعماق مائية كبيرة، إلى جانب بناء خطوط هوائية ومحطات تحويل عملاقة تعمل بجهد 500 كيلوفولت في كل من بدر، ونبق، وطابا، والمدينة المنورة، وتبوك.
ورغم التحديات اللوجستية وجداول سلاسل الإمداد العالمية خلال السنوات الماضية، قادت الشراكة الحثيثة بين “الشركة السعودية للكهرباء” و”الشركة القابضة لكهرباء مصر” المشروع نحو استكمال مراحله الإنشائية والوصول إلى المراحل التجريبية النهائية للمرحلة الأولى بقدرة 1500 ميجاواط تمهيداً للتشغيل الكامل.
التحليل الاقتصادي: الانعكاس على الرؤى الإقليمية (رؤية 2030 ورؤية عُمان 2040)
يحمل تشغيل هذا الخط دلالات اقتصادية وتشغيلية بالغة الأهمية ترتبط بمستهدفات التحول الطاقي الخليجي والإقليمي:
- التوافق مع رؤية السعودية 2030: يمثل المشروع أحد الممكنات الجوهرية لمستهدفات “رؤية 2030” الهادفة لتحويل المملكة إلى مركز إقليمي لتصدير وتبادل الطاقة النظيفة. ويتيح الربط الاستفادة القصوى من التباين الزمني في ساعات الذروة لاستهلاك الكهرباء بين البلدين (فترة الذروة في مصر تبدأ مساءً، بينما تسجل السعودية ذروتها خلال فترة ما بعد الظهر بسبب أحمال التبريد)، مما يرفع كفاءة التوليد، ويخفض استهلاك الوقود السائل والغاز في محطات التوليد التقليدية، ويوفر مليارات الدولارات سنوياً كانت ستوجه لبناء محطات توليد إضافية لتغطية أوقات الذروة.
- التقاطع مع رؤية عُمان 2040 والتكامل الإقليمي: تتقاطع هذه الخطوة مع تطلعات سلطنة عُمان ودول مجلس التعاون في إطار هيئة الربط الكهربائي لدول الخليج العربية (GCCIA) لبناء شبكة متكاملة عابرة للحدود. حيث يشكل الخط السعودي-المصري جسراً حيوياً يربط منظومة الطاقة الخليجية بالشبكة المصرية المرتبطة بدورها بدول المشرق والمغرب العربي وأوروبا، مما يمهد لتجارة الطاقة المتجددة والهيدروجين وتصدير الفوائض الكهربائية النظيفة إلى الأسواق الأوروبية مستقبلاً.
- تحفيز استثمارات الطاقة المتجددة: يسهم الربط في استيعاب التوليد المتسارع من مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في كلا البلدين (مثل مجمع بنبان ومحطات خليج السويس في مصر، ومشاريع سكاكا وسدير والطاقة الشمسية في السعودية)، حيث توفر الشبكة المشتركة مرونة فائقة لمعالجة تذبذب إنتاج الطاقات المتجددة وتخزين الفوائض لحظياً.

